فوزي آل سيف

28

معارف قرآنية

هذه المنطقة تطورت فيها اللغة العربية، استوطنها الناس خاصةً بعد وجود البيت الحرام فيها مع أن الوادي كان غير ذي زرع، هذا الاستقرار يُنتجُ العلم والثقافة والحضارة ويُطَوِرُ اللغة، وهذا ما حصل. وما جاء زمن بعثة النبي (ص) إلا واللغة العربية وصلت إلى درجات مُتقدمةٍ من السعةِ والإتقان، فنزل القرآن الكريم في هذه المنطقة باللسان العربي. إضافةً إلى ذلك، الميزات الموجودة في اللغة العربية ليست موجودةً في سائِر اللغات، فهي لغةٌ أغنى، وأثرى، وأوسع. لنأخذ بعض الأمثلة التي توضح بعض ميزات اللغة العربية: أولا اللغة العربية تعتمد على الاشتقاق من اللفظ الجذري، لو لاحظت قواميس اللغة العربية تجد أنها تذكرُ الكلمة الأولى التي تتكون من ثلاثة حروف، مثلا “ضَرَبَ” معناها أصلٌ يدل على احتكاك شيءٍ بشيء، ثم تبدأ بذكر كل اشتقاقاتها. الاعتماد على الجذر اللفظي ولا سيما اذا كان قليل الحروف يُعطي اللُغوي مساحة كبيرة للاشتقاق، ولذلك ذكروا أن اللغة العربية فيها ١٦ ألف جذر، وهذا عددٌ كبيرٌ جدا، لنفترض أن كل جذرٍ يُشتقُ منه مئات الكلمات ، وهذا ما هو موجودٌ بالفعل، فإن أعدادَ الكلمات ستكُون هائلة. لذلك أشار العلامة الدكتور جواد علي إلى أن الألفاظ والكلمات الموجودة في اللغة العربية تصلُ إلى ١٢ مليون كلمة عربية [48]. لنقارن هذا العدد بلغةٍ أخرى، فأشهرُ لغة الآن هي اللغة الأنجليزية، بعضُ الدراسات تذكر أن جميع كلمات اللغة الإنجليزية عددها فقط ٦٠٠ ألف كلمة. لو قارنا هذا العدد بذاك الموجود في اللغة العربية لوجدنا أن كلمات اللغة العربية تصل إلى ٢٠ ضعف من اللغة الإنجليزية، والتي تُعد الآن سيدة اللغات في العالم. سعةُ اللغة، كثرةُ الكلمات فيها وكثرةُ العبارات تجعلُ المُتكلم قادرا على الحركة في مساحةٍ واسعةٍ جدا، لو أراد أن يُعبر عن أدقِ الأفكار فإنه لا يتحير في الكلمة. مثلا لو كان لديك شارعً عرضه نصف متر وشارع آخر عرضه ١٠ أمتار، ولديك أيضا سيارة من آخر طراز، في الشارع الأوسع تستطيع الإستفادة من هذه السيارة بصورةٍ أفضل من الشارع الضيق، لأنه في هذا الشارع الضيق لربما هذه السيارة لا تستطيع أن تتحرك فيه وإن كانت من أفضلِ السيارات. ومثلُ ذلك اللغة، اللغة التي تحتوي على كلماتٍ كثيرة، وألفاظٍ متنوعة، ومساحتُها واسعة فإنها تسمحُ للمتكلم والكاتب بحريةٍ ومساحةٍ كبيرة في الكتابة والتحدث. وهذا ما سنتطرقُ إليه فيما بعد لنقول أن المعاني القرآنية العالية المُنَزّلة من السماء تحتاج إلى لغةٍ بحجمها، لغةً غنيةً، قويةً ثريةً، أما اللغات ضعيفة التركيب وقليلة الألفاظ فلن تستوعب هذه المعاني الكثيرة. ثانيا اللغةُ العربية تستفيد من الهيئات. عندنا الكلمات مثل كلمة “ضَرَبَ” هذه كلمةٌ فيها مادة، مادتها ( ض رب )، وفيها أيضًا هيئة والتي تعني الصيغة الخاصّة بها، مثل “ضرب” تختلف عن “ضارِب” و" مضروب " و" ضراب " و "يضرِب” . الحروف هي نفسُها ولكن الصِيغ متعددة. الهيئات في اللغة العربية لها معان، وهذا أيضا يُعطي سعةً كبيرةً للغة، لو نظرنا مثلا لكلمة “كَتَبَ” فمرّةً تُصبح “كَاتِب” ومرّةً “كِتَاب” ومرة “كتًّاب” بمعنى كثير الكتابة، أيضًا تارةً تُبنى للمعلوم " كتب " وتارةً تبنى للمجهول “كُتِبَ” وهكذا. وكُل واحدةٍ من هذهِ الهيئات تَفتحُ بابًا واسعا بحيث لا يحتاج الكاتب إلى شيء غير تغيير الهيئة. لنضرب مثالان يُذكران في بقية اللغات للتوضيح. مثلا كلمة “كَتَبَ” هي مبنيةٌ للمعلوم فتقول “كَتَبَ فلانٌ الكِتاب”. لو أردتَ بناءَها لللمجهول تقول “كُتِبَ الكتاب”. كُلُ ما تحتاج إلى فِعله هو ضَمُ الحرف الأول وكسرُ الحرف الثاني فتُصبح الكلمة مبنية للمجهول. لو نظرنا في اللغة الإنجليزية، جملة المبنيِّ للمعلوم تكونُ هكذا

--> 48 ) نقل في مواقع الكترونية متعددة ، ومقالات عن كتابه المفصل في تاريخ العرب .. ولم يتيسر لي العثور عليه في الكتاب نفسه.